ابن كثير

96

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أي سميع لما تقولون ، عليم بضمائركم « 1 » . وقد أورد ابن جرير هاهنا سؤالا حاصله : كيف تقولون إن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم سار إلى أحد يوم الجمعة بعد الصلاة وقد قال اللّه تعالى : وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ الآية ؟ ثم كان جوابه عنه : أن غدوه ليبوأهم مقاعد إنما كان يوم السبت أول النهار « 2 » . وقوله تعالى : إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا الآية ، قال البخاري : حدثنا علي بن عبد اللّه ، حدثنا سفيان ، قال : قال عمر : سمعت جابر بن عبد اللّه يقول : فينا نزلت إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا الآية ، قال : نحن الطائفتان بنو حارثة وبنو سلمة وما نحب - وقال سفيان مرة وما يسرني أنها لم تنزل لقوله تعالى : وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وكذا رواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة به . وكذا قال غير واحد من السلف : إنهم بنو حارثة وبنو سلمة . وقوله تعالى : وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ أي يوم بدر ، وكان يوم الجمعة وافق السابع عشر من شهر رمضان من سنة اثنتين من الهجرة وهو يوم الفرقان الذي أعز اللّه فيه الإسلام وأهله ، ودمغ فيه الشرك ، وخرب محله وحزبه هذا مع قلة عدد المسلمين يومئذ ، فإنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ، فيهم فرسان وسبعون بعيرا ، والباقون مشاة ليس معهم من العدد جميع ما يحتاجون إليه . وكان العدو يومئذ ما بين التسعمائة إلى الألف في سوابغ الحديد والبيض « 3 » والعدة الكاملة والخيول المسومة والحلي الزائد ، فأعز اللّه رسوله وأظهر وحيه وتنزيله ، وبيض وجه النبي وقبيله ، وأخزى الشيطان وجيله ، ولهذا قال تعالى ممتنا على عباده المؤمنين وحزبه المتقين وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ أي قليل عددكم ليعلموا أن النصر إنما هو من عند اللّه لا بكثرة العدد والعدد ، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً - إلى - غَفُورٌ رَحِيمٌ [ التوبة : 25 ] . وقال الإمام أحمد « 4 » : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة عن سماك ، قال : سمعت عياضا الأشعري قال : شهدت اليرموك وعلينا خمسة أمراء : أبو عبيدة ، ويزيد بن أبي سفيان ، وابن حسنة ، وخالد بن الوليد ، وعياض وليس عياض هذا الذي حدث سماكا قال : وقال عمر : إذا كان قتال فعليكم أبو عبيدة ، قال : فكتبنا إليه إنه قد جاش إلينا الموت ، واستمددناه ، فكتب إلينا : إنه قد جاءني كتابكم تستمدونني ، وإني أدلكم على من هو أعز نصرا ، وأحصن جندا : اللّه عز وجل فاستنصروه ، فإن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم قد نصر يوم بدر في أقل من عدتكم ، فإذا جاءكم كتابي هذا ، فقاتلوهم ولا تراجعوني ، قال : فقاتلناهم فهزمناهم أربعة فراسخ ، قال : وأصبنا أموالا فتشاورنا ، فأشار

--> ( 1 ) انظر سيرة ابن هشام 2 / 63 . ( 2 ) تفسير الطبري 3 / 416 . ( 3 ) البيض : الخوذ . ( 4 ) مسند أحمد : 1 / 49 .